عمر فروخ

51

تاريخ الأدب العربي

ويعلم أيضا فرق ما بين المصنوع والمطبوع ، وفضيلة الأتيّ السمح على الأبيّ الصعب « 1 » . فنقول ، وباللّه التوفيق : « انهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته « 1 » وجزالة اللفظ واستقامته والإصابة في الوصف - ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال وشوارد الأبيات « 2 » - والمقاربة في التشبيه ، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخيّر من لذيذ الوزن ، ومناسبة المستعار منه للمستعار له ، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما . فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر ، ولكل باب منها معيار . « فعيار المعنى أن يعرض على العقل الصحيح والفهم الثاقب ، فإذا انعطف عليه جنبتا القبول والاصطفاء مستأنسا بقرائنه خرج وافيا ، والا انتقض بمقدار شوبه ووحشته « 3 » . وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال . فما سلم مما يهجّنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم . وهذا في مفرداته وجملته مراعى ، لأن اللفظة تستكرم بانفرادها ، فإذا ضامها ما لا يوافقها عادت الجملة هجينا « 4 » . وعيار الإصابة في الوصف الذكاء وحسن التمييز . فما وجداه صادقا في العلوق ممازجا في اللصوق يتعسّر الخروج عنه والتبرّؤ منه ، فذاك سيماء الإصابة فيه . ويروى عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال في زهير : كان لا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال . فتأمّل هذا الكلام فإنه تفسير ما ذكرناه . « وعيار المقاربة في التشبيه الفطنة وحسن التقدير . فأصدقه ما لا ينتقض عند العكس ، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليبين وجه التشبيه بلا كلفة ، الا أن يكون المطلوب من التشبيه أشهر صفات المشبّه به وأملكها له ، لأنه حينئذ يدلّ على نفسه ويحميه من الغموض والالتباس - وقد قيل أقسام الشعر ثلاثة مثل سائر ، وتشبيه نادر ، واستعارة قريبة . « وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخيّر من لذيذ الوزن الطبع واللسان - فما لم يتعثّر الطبع بأبنيته وعقوده ، ولم يتحبّس اللسان في فصوله ووصوله « 5 » ،

--> ( 1 ) المعنى الشريف : معاني الاغراض الفخمة كالكرم والحماسة ووصف القصور والخمر . ( 2 ) الأبيات البارعة المعنى السهلة التركيب . ( 3 ) شوب المعنى : مزجه بالمعنى الرديء . وحشة المعنى : غرابته وجفائه ( بعده عن ألوان الحضارة ) . ( 4 ) الهجين : المخلوط بما هو أدنى قيمة منه ؛ البعيد عن الصفاء والعروبة الأصيلة . ( 5 ) الفصل : الوقوف عند انتهاء المعنى . الوصل : صلة المعنى بالمعنى .